أطياف الكون الآخر
| By: | عمر فضل الله |
| Publisher: | Ktab Inc. |
| Print ISBN: | 10661KTAB |
| eText ISBN: | 10661KTAB |
| Edition: | 1 |
| Format: | Reflowable |
eBook Features
Instant Access
Purchase and read your book immediately
Read Offline
Access your eTextbook anytime and anywhere
Study Tools
Built-in study tools like highlights and more
Read Aloud
Listen and follow along as Bookshelf reads to you
رنَّةُ صوتٍ صَعَقَتْ مسمعي، فطارت شقَّة مني في السماء، وهبطت أخرى إلى أقصى الأرض السُّفلَى، وبقيتْ روحي معلقة بينهما في الهواء تنظر من كلا الشقتين. هل آن أواني وانقضت أيامي بهذه السرعة، مثل طرفة عين، أم ياترى لا تزال في العمر بقية؟ دسست ذيلي بين رجليَّ في حياء حقيقي لا يخفى على أحد، وتورد خدَّاي باللون الأسود، حين علمت أن هذا الصوت لم يكن إلا صوت بوق نفخه طفل شقي قريباً من أذني، وهو يلعب في البيت الذي أويت إليه آخر عمري، لأموت على سرير أحدهم كما يموت بنو الصلصال. العجيب أنني لم أر الطفل مع أنه كان بالقرب مني. لا أخفي عليكم أن نظري قد ضعف جداً فلم ألحظ هذا الطفل. ولكن ليس هذا هو المهم، فما زلت أعجب كيف تمكنت فجأة من الطيران بهذه السرعة، والتحليق في أقطار المجهول، والغوص أسفل سافلين، خلال ثوان معدودات، وأنا بقايا هيكل لمخلوق هرم! الخوف من الموت يفعل بنا الأفاعيل. كلما تذكرت الموت والهلاك اقشعر بدني، واهتز جسمي، وغاصت روحي إلى أعماق فؤادي، فالفرار لن ينجيني من الموت، وكأن جميع ما عشته من السنين لا يتجاوز في نظري الأيام المعدودة، فلم أر في الحياة شيئاً كثيراً بعد. ارتعاشة الروح وهي تتشبث بحنايا المفاصل داخل خلايا الطيف لتقاوم الفناء وتأبى أن تنسل خارجة من أعماق مستقرها، شعور لا يمكن وصفه بالكلمات. الأطياف تعلم أين يكون مستقرها حين تنتقل من لحظة الوجود إلى عالم الخلود. رأيت كثيرين يموتون. كانوا قبل ذلك أقوياء جداً، ولكنهم أصبحوا يعلمون وهم في تلك السكرات أنه لا يمكنهم المقاومة طويلاً. كانت نظراتهم تخبرني، في صمت يضج بالكلام، أنهم لو أستطاعوا أن يهربوا من تلك اللحظة خارج دائرة الأكوان إلى حيث العدم المنسي، لما ترددوا لحظة واحدة. ارتكاسة اليأس عند الطيف وهو يقاتل ليطيل أنفاسه وزفراته، تجعل روحي تتبخر لوعة في فضاءات التيه ثم لا تستقر ولا تهدأ.